ارسل: الخميس يوليو 15, 2010 10:39 am موضوع الرسالة: من اثار حضرة بهاء الله(جواهر الأسرار في معارِجِ الأسفار)
الجزء الاول
] جواهر الأسرار
في معارِجِ الأسفار لمن أراد
أن يتقرّب إلى الله المقتدر الغفّار
فهنيئاً للأبرار الّذين يشربون من هذه الأنهار
1
هو العليّ الأعلى
1 يا أيّها السّالك في سُبل العدل والنّاظر إلى طلعة الفضل، قد بلغ كتابك
وعرفتُ سؤالك وسمعتُ لحناتِ قلبك فِي سرادق فؤادك، إذاً قد رُفعتْ سحاب الإرادة لتمطرَ عليك
من أمطار الحكمة، لتأخذ عنك كلَّ ما أخذت من قبلُ، وتقلّبك عن
جهات الضّدّية إِلى مكمن الأحديّة، وتصلك إلى شريعة القدسيّة، لتشرب عنها وتستريح نفسك فيها ويسكن
عطشك ويبرد فؤادك، وتكون من الّذينهم كانوا اليوم بنور الله لمهتدين.
3
2 ولو أنّي في تلك الأيّام الّتي أحاطتني كلابُ الأرض وَسَبُعُ البلاد
خفيتُ في وَكْرِ سرّي، وأكون ممنوعاً عن إظهار ما أعطاني الله من بدائعِ علمه وجواهر حكمته وشئونات قدرته
، ولكن مع كلّ ذلك ما أحبُّ أنْ أخيّبَ من قام لدى حرم الكبرياء ويُريد أنْ يَدْخُلَ في رَفْرَفِ البقاء، ويحبُّ
أن يطير في سماء هذا البَداء في فجر القضاء. لذا أذكرُ لك بعضَ ما أكرمني الله عمّا تطيقُه النّفوس
. وأسئَلُ اللهَ بأن يؤيّدني بذلك، إذ هو أرحم الرّاحمين ومُعطي السّائلين.
3 فاعْلمْ بأنّ لجنابك ينبغي بأن تفكّر في أوّل الأمر بأنّ أمم المختلفة الّذينهم كانوا اليوم في
الأرض لِمَ ما آمنوا بُرسُل الله الّذين أرسلهم الله بقدرته وأقامهم على أمره وجعلهم سراج أزليّت
ه في مشكواة أحديّته، وبِمَ أعرضوا عنهم واختلفوا فيهم وخالفوا بهم ونازعوا معهم
وحاربوا بهم، وبأيّ جهةٍ ما أقرّوا برسالتهم ولا بولايتهم، بل كفّروهم
4
وسبّوهم حتّى قتلوهم وأخرجوهم.
4 وإنّك يا أيّها الماشي في بَيداء المعرفة والسّاكنُ في سفينة الحكمة
، لولا تعرف سرّ ما ذكرناه لك ما تصل إلى مراتب الإِيمان، ولستَ بموقنٍ في أمر الله ومظاهر
أمره ومطالع حُكْمِهِ ومخازن وَحيه ومعادن علمه، وتكون من الّذين ما جاهدوا
في أمر الله وما وجدوا رائحة الإِيمان من قُمُص الإيقان، وما بلغوا
إلى معارج التّوحيد وما وصلوا إلى مدارج التّفريد في هياكل التّحميد وجواهر التّجريد.
5 فاجهدْ يا أخي في معرفة هذا المقامِ لِيُكْشَفَ الغِطاءُ عن وجه قلبك
وتكون من الّذين جَعَلَ الله بصرَهم حديداً، لتشهدَ جراثيم الجبروت
وتَطَّلِعَ بأسرار الملكوت ورموزات الهويّة في أراضي النّاسوت
، وتَصِلَ إلى مقام الّذي ما ترى في خَلْق الرّحمن من تفاوتٍ، ولا في خَلْق السّموات والأرض من فُطُوْرٍ. (3)
6 فلمّا بلغ الأمر إلى هذا المقام الأَوْعَرِ الأعلى
5
وهذا الرّمز الخَشِن الأسنى، فاعرفْ بأنّ هؤلاء الأمم من اليهود والنّصارى لمّا ما عرفوا لحن القول،
وما بلغوا إلى ما وعدهم الله في كتابه، أنكروا أمر الله وأعرضوا عن رُسُلِ الله وأنكروا حُجَجَ الله، وإنّه
م لو كانوا ناظرين إلى الحجّة بنفسها وما اتّبعوا كلّ هَمَجٍ رُعاعٍ من علمائهم ورؤسائهم
، لبلغوا إلى مخزن الهدى ومكمن التُّقى، وشربوا من ماء الحيّ الحَيَوان
في مدينة الرّحمن وحديقة السّبحان وحقيقة الرّضوان.
وإنّهم لمّا ما شهدوا الحُجّة بعيونهم الّتي خَلَقَ الله لهم بهم، وأرادوا بغي
ر ما أراد الله لهم من فضله بَعُدوا عن رَفْرَفِ القرب ومُنِعوا
عن كوثر الوصل ومنبع الفضل، وكانوا في حجبات أنفسهم ميّتين.
7
وإنّي بِحَوْلِ الله وقوّته حينئذٍ أَذكُرُ بعض ما ذكره الله في كتب القبل، وعلائمَ ظهورات
الأحديّة في هياكل الأنزعيّة، لتعرف مقام الفجر في هذا الصّبح الأزليّة، وتشاهد هذه
النّار المشتعلة في سِدرةٍ لا شرقيّة ولا غربيّة(4) وتفتحَ عيناك في وصولك إلى
6
مولاك، ويَمْذُقَ قلبُك من نَعْماء المكنونة في هذه الأوعية المخزونة،
وتشكر الله ربّك فيما اختصّك بذلك، وجعلك من الّذينهم كانوا بلقاء ربّهم موقنون.
8 هذا صورة ما نُزّل من قبلُ في إنجيل المتّى في سِفْرِ الأوّل
؛ فيه يَذْكُرُ علائمَ ظهور الّذي يأتي بعده ويقول: ﴿
الويل للحَبالى والمرضعات في تلك الأيّام﴾،(5)
إلى أنْ تَغَنَّ الورقاء في قطب البقاء وَيَدْلَعَ ديكُ العرش في شجرة القُصوى وسدرة المنتهى ويقول: &
#64831;وللوقت من بعد ضيق تلك الأيّام تُظلِم الشَّمسُ والقمرُ لا يُعطي ضوئَه، والكواكبُ تتساقط من السّماء
، وقُوّاةُ الأرض تَرْتَجُّ. حينئذٍ يظهر علامةُ ابن الإنسان في السّماء، وينوح حينئذٍ كلّ قبائل الأرض
، ويَرَوْنَ ابنَ الإنسان آتياً على سحاب السّماء مع قوّاةٍ ومجدٍ كبير، ويُرسل ملائكته مع صوت السّافور العظيم﴾ (6) انتهى.
9
وفي سِفْرِ الثّاني في إِنجيل المُرْقُس، فيما يتكلَّمُ حمامة القدس، فيقول بأنَّ
﴿في تلك الأيّام ضيق لم يَكُنْ مثله من البَدْوِ الَّذي خلق الله إلى الآن
7
ولا يكون﴾(7) انتهى.
وبعدُ تَرِنّ بمثل ما رنَّت من قبلُ من دون تغيير ولا تبديل، وكان الله على ما أقول وكيل.
10 وفي سِفْرِ الثّالث في إنجيل اللّوقا يقول: &
#64831;علاماتٌ في الشَّمس والقمر والنّجوم، وتحدث على الأرض ضيق الأمم
من هول صوت البحر والزّلازل وقواةُ السّماء، ويضطرب
، وينظرون ابن الإنسان آتياً في السّحاب مع قوّاةٍ ومجدٍ عظيم
. وإذا رأيتم هذا كلَّهُ كائناً اعلموا أنَّ ملكوت الله قد اقتربت﴾(8) انتهى.
11 وفي سِفْرِ الرّابع في إنجيل اليوحنَّا يقول
: ﴿اذا جاء المُعزّي الّذي أرسله إليكم روحُ الحقّ الآتي من الحقّ، فهو يشهد لي وأنتم تشهدون&
#64830;.(9) وفي مقامٍ آخر يقول:
&#
64831;وإذا جاء روحُ القدس المُعزّي الّذي يُرسله ربّي باسمي، فهو يُعلّمكم كلّ شيء ويذكّركم كلَّما قلت لكم.(
10
) والآن فإنّي مُنطلِقٌ إلى مَن أرسلني، وليس أحدٌ منكم يسئلني إلى أين أذهب لأنّي قلتُ لكم هذا
4830;.(11) وفي مقامٍ آخر يقول: ﴿إنّي
8
أقول لكم الحقَّ؛ إنَّه خيرٌ لكم أن أنطلق لأنّي إنْ لم أنطلقْ لَمْ يَأتِكُمُ المُعزّي. فإذا انطلقتُ أرسلتُه إليكمᥓ
0;،(12) ﴿فإذا جاء روح الحقّ ذاك فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ لأنّه ليس ينطق
من عنده بل يتكلّم بما يسمع ويخبركم بما يأتي﴾.(13)
12 هذا صورة ما نُزّل من قبلُ، وإنّي فوالله الّذي لا إله إلاّ هو لاختصرتُ، ولو أريد أن أذكر
كلمات الأنبياء فيما نُزّل من جبروت العظمة وملكوت السّلطنة لَتُملأ الأوراق
والألواح من قبل أن أصل إلى آخرها. وفي كلّ الزّبرات والمزامير
والصّحائف لَموجود ومذكور بمثل ما ذكرتُ لك وألقيتُ عليك، بل أعلى
وأعظم عن كلّ ما ذكرتُ وفصّلتُ. وإنّي لو أريد أن أذكر كلّما نُزّل من قبلُ لأقدر
بما أعطاني الله من بدائع علمه وقدرته،
ولكن اكتفيتُ بما بيّنتُ لك لئلاّ تكسِل في سَفَرك ولا تنقلب على عَقِبَيْكَ،
ولئلاّ يأخذك من حزنٍ ولا كدورةٍ ولا من نَصَبٍ ولا من ذلٍّ ولا من لُغُوْبٍ.
13 [color=red]إذاً فأنصفْ ثمّ فكّر في تلك العبارات[/color]9
المتعاليات، ثمّ اسئل عن الَّذين يَدَّعُوْنَ العلم من دون بيّنةٍ من عند الله ولا حُجّة من لَدُنْهُ،
وغفلوا عن تلك الأيّام الّتي أشرقَت شمسُ العلم والحكمة عن أفق الألوهيّة
، وتُعطي كلَّ ذي حقٍّ حقّه وكلَّ ذي قَدْرٍ مقداره ومقامه. ما يقولون في هذه الإشارات الّتي ذُهِلَتِ العقولُ
عن إدراكها وحارت النّفوسُ المقدّسة عن عرفان ما سُتِرَ فيها من حكمة الله البالغة وعلم الله المودعة؟
14 إنْ يقولون هذه الكلمات من عند الله ولم يكن لها من تأويلٍ وتكون على ظاهر القول في
ظاهر الظّاهر، فكيف يعترضون على هؤلاء الكفرة من أهل الكتاب؟
لأنَّهم لمّا شهدوا في كتابهم ما ذكرناه لك، وفسّروا لهم علمائُهم على ظاهر القول
، لذا ما أقرّوا بالله في مظاهر التَّوحيد ومطالع التَّفريد وهياكل التَّجريد
، وما آمنوا بهم وما أطاعوهم، لأنّهم ما شهدوا بأن تظلمَ الشَّمس
وتساقطَ الكواكب من السّماء على وجه الأرض
، وتنزلنّ الملائكة على ظاهر الهيكل على الأرض، لذا اعترضوا على النّبيّين و المرسلين
. بل لمّا وجدوهم مخالفاً لدينهم وشرائعهم وردوا عليهم ما أستحيي
أن أذكر لك من الكذب والجنون والكفر والضّلال.
[size=24][color=red] فأرجع البصرَ في القرآن لتجد كلَّ ذلك وتكون فيه من العارفين.[/color][/size]
ومن يومئذٍ إلى حينئذٍ ينتظرون هذه الفئةُ ظهورات ما عرفوا من علمائهم وأيقنوا من فقهائهم،
ويقولون: متى تظهر هذه العلامات إنّا حينئذ لآمنون.
ولو كان الأمر كذلك، كيف أنتم تَدْحَضُوْنَ حُجّتهم وتُبطلون برهانَهم وتحتجّون بهم في أمر دينهم
وما عرفوا من كتبهم وسمعوا من صناديدهم؟
15
وإن يقولون هذه الأسفار الّتي تكون بين يديْ هذه الفئة
ويسمّونها بالإنجيل وينسبونها بعيسى بن مريم ما نَزَلَتْ من عند الله ومظاهر نفسه
، يلزمُ تعطيلُ الفيض عن مبدء الفيّاض
، ولم تكن الحجّة من عند الله بالغةً على عباده، ولم تكن النّعمة كاملةً
ولا العناية مشرقةً ولا الرّحمة واسعةً، لأنَّه لمّا رُفِع عيسى إلى السّماء ورُفعَ كتابه،
فبأيّ شيءٍ يَحْتَجُّ اللهُ بهم يوم القيمة ويعذّبهم، كما هو المكتوب من أئمّة
11
الدّين والمنصوص من علماء الرّاشدين.
16
[color=red]إذاً فكّر في نفسك؛ لمّا تشهدُ الأمر كذلك، ونشهدُ كذلك، [/
color]من أين تفرُّ وإلى مَن تركضُ وإلى من تتوجّه وبأيّ أرض تسكن وبأيّ فراش تجلس
وبأيّ صراط تستقيم وبأيّ ساعة تنوم وبأيّ أمر تنتهي أمرك وبأيّ شيء تشدّ عروةَ دينك وحبلَ طاعتك
؟ لا فوالّذي تجلّى بالوحدانيّة وَتَشَهَّدَ لنفسه بالفردانيّة، لو يحدث في قلبك قَبَساً
من نار محبّة الله، ما تنومُ وما تسكن وما تضحك وما تستريح،
بل تَفِرُّ إلى قُلَل الجبال في ساحة القرب والقدس والجمال،
وتنوح كَنَوْحِ الفاقدين وتبكي كَبُكاء المشتاقين، ولا ترجع إلى بيتك ومحلّك إلاّ بأن يكشف الله لك أمره.
17 وإنَّك أنت يا أيّها المتعارج إلى جبروت الهدى والمتصاعد إلى ملكوت التُّقى
، لو تُريد أن تعرفَ هذه الإشارات القدسيّة وتشهدَ أسرار العلميّة وَتَطَّلِعَ على كلمة الجامعة،
لا بدّ لجنابك أن تسأل كلَّ ذلك وكلّما يَرِدُ عليك في أمر مبدئك
ومَعادك عن الَّذين جعلهم الله منبع علمه وسماء حكمته وسفينة سرّه،
12
لأنّ من دون هذه الأنوار المشرقة عن أفق الهويّة ما يعرفون النّاسُ يمينَهم عن شمائلهم
، وكيف يقدرنّ أن يتعارجنّ إلى أفق الحقايق أو يصلنّ إلى مخزن الدّقائق
! إذاً نسأل الله بأن يُدخِلنا في هذه البحور المتموّجة ويشرّفنا إلى هذه الأرواح المرشّحه
ويُنزِلنا في هذه المعارج الإلهيّة، لننزعَ عن هياكلنا كلّما أخذنا من عند أنفسنا،
ونخلعَ عن أجسادنا كلّ الأثواب العارية الّتي سرقنا عن أمثالنا، ليُلبسَنا الله من قُمُص عنايته وأثواب هدايته،
18
ويدخلَنا في مدينة العلم الّذي من دخل فيها لَيَعْرِفُ كلّ العلوم قبل أن يلتفت إلى أسرارها،
ويعرف كلّ العلم والحكمة من أسرار الرّبوبيّة المودعة في كنائز الخليقه من أوراقها الّتي تورّقت من أشجارها.
فسبحان الله موجدها ومُبدعها عمّا خُلِق فيها وقُدّر لها.
وإنّي، فوالله المهيمن المقتدر القيّوم، لو أُرِيَنَّكَ أبواب هذه المدينة الّتي خُلقت عن يمين القدرة والقوّة لَتَرى
ما لا رأى أحدٌ من قبلك، وتشهد ما لا شهدت نفسٌ دونك، وتعرف غوامض
13
الدّلالات وَمُعْضِلات الإشارات، وتُبَرْهَنُ لك أسرار البَدْئيّة في نقطة الخَتْمِيّة
، وتسهل عليك الأمورُ وتُجعل النّارُ لك نوراً وعلماً ورحمةً، وتكونَ في بساط القدس لَمِن المستريحين.
19 ومن دون ذلك، كلّ ما ألقيناك من جواهر أسرار الحكمة في غياهب هذه الكلمات المباركة
الرّوحيّة، ما تقدر أن تعرفَ رشحاً من طَمطام أبحُر العلم وقَمقام أَنْهُرِ العزّ،
وتكونَ من إصبع الهويّة على قلم الأحديّة في أمّ الكتاب بالجهل مكتوباً
، ولن تحلّ لك حرفاً من الكتاب ولا كلمات آل الله(14) في أسرار المَبْدَءِ والمآب.
20 إذاً فأنصفْ يا أيّها العبد الّذي ما رأيناك في الظّاهر
ولكن وجدنا حبّك في الباطن، ثمّ اجعلْ محضرك بين يديّ الّذي إنَّك إنْ لن تراه إنّه هو يراك
، وإنَّك إنْ لن تعرفه إنَّه هو يعرفك. هل يقدر أحدٌ أن يفسّر تلك الكلمات بدلائل متقَنةٍ وبراهين واضحة
وإشارات لائحة على قَدْر الّذي يستريح قلبُ السّائل وَيَسْكُنُ فؤادُ المخاطِب؟ لا فَوَالّذي نفسي بيده، لن
14
يقدر أحدٌ أن يشرب رشحاً منها إلاّ مَنْ يدخل في ظلّ هذه المدينة
الّتي بُنيَت أركانُها على جبال الياقوت المُحْمَرَّةِ
وجدارُها من زبرجد الأحديّة وأبوابُها من ألماس الصّمديّة وترابُها من طِيْبِ المكرُمة.
21 ولمّا ذكرنا وألقينا عليك من بعض الأسرار مع الحُجُبِ والأستار
، نرجع إلى ما كنّا فيه في ما عرفنا من كتب القَبْل لئلاّ يَزَلَّ قدمُك في شي
ء وتكون موقناً في كلّ ما رَشَحْنا عليك من تموّجات أَبْحُرِ الحياة في لاهوت الأسماء والصّفات.
22 وهو مكتوبٌ في جميع أسفار الإنجيل
، وهو هذا حين الّذي تكلّمت الرّوحُ(15) بالنّور، وقال لتلاميذه: ᥓ
1;فاعلموا بأنّ السّموات والأرض يُمكن أن تزولان ولكنّ كلامي لن يزول أبدا&#
;.(16) وكان معلوم عند جنابكم بأنّ المعنى في هذا الكلام على ظاهر العبارة لن يَدُلّ إلاّ بأنّ هذه الأسفار
من الإنجيل تكون باقيةً بين العباد إلى أبد الدّهر ولا تَنْفَدُ أحكامُها ولا يبيد برهانُها.
وكلُّما شُرِّع فيها وحُدّد لها وقُدّر بها يبقى ولا يفنى أبداً.
نُفِخت والملائكة صُفَّت والجنّة أُزلفت والنّار سُعِّرت، وقُضي كلّ ذلك
وإلى حينئذٍ ما عرف أحدٌ منهم، كأنّهم في غَشَواتهم ميّتون إلاّ الّذينهم آمنوا ورجعوا إلى الله
وكانوا اليوم في رضوان القدس يُحْبَرُوْنَ وفي رضى الله يَسْلُكُوْن.
25 وكلّ النّاس لمّا احتجبوا بغَشَوات أنفسهم ما عرفوا ألحان القدس
وما شمّوا روائح الفضل وما سَئَلوا عن أهل الذّكر بعد الّذي أَمَرَهُمُ اللهُ بذلك؛ قال وقوله الحقّ:
﴿فاسئلوا أهل الذّكر إنْ كنتم لا تعلمون﴾.(19) بل أعرَضوا عن أهل الذّكر واتّبعوا
17
السّامريّ(20)
بأهوائهم، وبذلك بَعُدُوا عن رحمة الله وما فازوا بجماله يوم لقائه بعد الّذي كلٌّ انتظروا يوم ظهور
ه وَدَعُوا الله في اللّيالي والأنهار بأن يحشرهم بين يديه ليُسْتَشْهَدُوا في سبيله وَيَسْتَهْدُوا بهدايته وَيَسْتَنْوِرُوا بنوره
. فلمّا جائهم بآيةٍ من عند الله وحجّةٍ من لدنه كفّروه وسبّوه وفعلوا به ما فعلوا على مقامٍ لا أنا أقدر أن أذكر
ولا أنت تقدر أن تسمع، والقلمُ حينئذٍ يَضِجُّ والمداد يبكي ويصرخ
. وإنّك لو تتوجّهْ بسمع الفطرة فوالله لَتسمعْ ضجيج أهل السّموات،
ولو تكشف الحجابَ عن عينيك لتشهدْ بأنّ الحوريّات مَغْشِيّاتٌ والأرواحَ منصعقاتٌ
وَيَضْرِبْنَ على وجوههنّ وَجَلسْنَ على وجه التّراب.
26 فآهٍ آهٍ عمّا ورد على مظهر نفس الله وما فعلوا به وبأحبّائه، بحيث ما فعل أحد على أحدٍ ولا
نفسٌ إلى نفسٍ ولا كافرٌ إلى مؤمنٍ ولا مؤمنٌ إلى كافرٍ. فآهٍ آهٍ قد جلس هيكل البقاء في التّراب السّوداء
، وناحت روح القدس في رفارف الأعلى، وتهدّمت أركان العرش في لاهوت الأسنى، وتبدّلت عيشُ
18
الوجود في أرض الحمراء، وخرست لسان الورقاء في جبروت الصّفراء.
أُفٍّ لهم وبما اكتسبت أيديهم وعن كلّ ما هم كانوا أن يعملون.
27
فاستمعْ ما غنّت الورقاء في شأنهم بأحسن نغماتٍ بديعٍ واكمل تغرّداتٍ منيعٍ ليكون
حسرةً عليهم من يومئذٍ إلى يوم الّذي يقوم النّاس لربّ العالمين
. وكانوا من قبلُ يستفتحون علي#
1740; الّذين كفروا، فلمّا جائهم ما عرفوا كفروا به، فلعنةُ الله عليی الكافرين.(2
1) هذا شأنهم وَمَبْلَغُهُمْ في حيوة الباطلة، وسيُرَدُّون الي
740; عذاب السّعير ولن يجدوا لأنفسهم لا من وليٍّ ولا من نصير.
28 ولا يحجبك كلُّ ما نُزّل في الفرقان وما سمعت عن آثار شموس العصمة وبدور العظمة
(22) في تحريف الغالين وتبديل المتحرّفين؛ ما كان مقصودُهم في تلك الكلمات إلاّ في بعض الموارد
المخصوصة المنصوصة، وانّي مع عجزي وفقري لو أريد أن
أذكر لجنابك ما هو المذكور لأقدر، ولكن يغرُب عنّا المقصود ونبعُد عن هذا الصّراط الممدود
19
ونغرق في إشارات المحدود ونخرج عمّا هو المحبوب في ساحة المحمود.
۲۹
وإنّك أنت يا أيّها المذكور في هذا الرّقّ المنشور، والمُسْتَنْوِرُ في هذه الظُّلُمات الدَّيجور فيما تجلىّ عليك من
أنوار الطّور في سيناء الظّهور، نَزِّهْ نفسَك عن كلّ ما عرفت
من قبلُ من إشارات السُّوئيّة والدّلالات الشّركيّة لتجد رائحة البقاء عن يوسف الوفاء وتكون
داخلاً في مصر العَماء وتجد روائح طِيْبِ السّناء عن هذا اللّوح الدّرّيّ البيضاء
فيما رَقَّمَ فيه القلمُ من أسرار القِدَم في أسماء ربّه العليّ الأعلى لتكون من الموقنين في ألواح القدس مكتوباً.
۳۰
ثمّ اعلمْ يا أيّها الحاضر بين يديّ العبد حين غفلتك عن ذلك
، لا بدّ لمن يُريد أن يقطع الأسفار في معارج الأسرار بأن يجاهد في الدّين على قَدْرِ طاقته وقدرته ليَظهر له السّبيلُ
في مناهج الدّليل. وإنْ يَجِدْ نفساً يدّعي أمراً من الله، وكان في يده حجّةٌ من مولاه الّتي تعجز عنها العالمين
لا مفرّ له إلاّ بأن يتّبعه في كلّ ما يأمر ويقول ويحكم، ولو يُجري على
20
السّماء حكم الأرض أو على الأرض حكم السّماء أو فوق ذلك أو تحت ذلك،
ولو يحكم بالتّغيير أو بالتّبديل، لانّه اطَّلَعَ بأسرار الهويّة ورموزات الغيبيّة وأحكام الإلهيّة.
۳۱
ولو أنّ كلّ العباد من أمم المختلفة يعملون بما ذكرنا، حينئذٍ لَيَسْهُلُ عليهم أمرُهم، وما يمنعهم تلك العبارات
والإشارات عن الورود في غمرات الأسماء والصّفات. ولو عرفوا ذلك ما كفروا بأنعُم الله وما حاربوا مع النّبيّين
وما جاحدوهم وما أنكروهم، وبمثل تلك العبارات تجدون في القرآن لو أنتم فيه تتفكّرون.
۳۲
ثم أعلم بأنّ بمثل تلك الكلمات يُمَحِّصُ اللهُ عبادَهُ ويغربلنّهم، يَفْصُلُ بين المؤمن والكافر
والمنقطع والمتمسّك والمحسن والمجرم والتّقيّ والشّقيّ وأمثال ذلك كما نطق بذلك ورقاء الهويّة:
﴿الم، أَحَسِبَ النّاس أن يُترَكوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتنون﴾.(23)
۳۳ لا بدّ للمسافر إلی الله والمهاجر في سبيله بأن
21
ينقطع عن كلّ من في السّموات والأرض وَيَكُفَّ نفسه عن كلّ ما سواه ليُفتَح عل
ی وجهه أبواب العناية وَتَهُبَّ عليه نسمات العطوفة
، وإذا كتب على نفسه ما ألقيناه من جواهر المعاني والبيان لَيعرف كلّ الإشارات من تلك الدّلالات،
ويُنزِلُ الله على قلبه سَكينةً من عنده ويجعلُه من السّاكنين. وبمثل هذه الكلمات المتشابهات المُنزَلة
فاعرفْ ما سئلتَ عن هذا العبد الّذي جلس علی نقطة الذّلّة وما يمشي في الأرض
إلاّ كمثل غريب الّذي لن يجد لنفسه لا من معين ولا من مونس ولا من حبيب ولا من نصيرا،
ويكون متوكّلاً علی الله، ويقول في كلّ حين:﴿إنّا لله وإنّا إليه راجعون﴾.(24)
۳٤
وإنّ ما ذكرنا الكلمات بالمتشابهات، هذا لم يكن إلاّ عند الّذين لن يتعارجوا إليی
; أفق الهداية، وما وصلوا إلی مراتب العرفان في مكامن العناية،
وإلاّ عند الّذين هم عرفوا مواقع الأمر وشهدوا أسرار الولاية فيما ألقى الله على أنفسه
م كلُّ الآيات مُحْكَماتٌ عندهم وكلُّ الإشارات مُتْقَناتٌ لديهم،
22
وإنّهم يعرفون أسرار المودعةَ في قُمُص الكلمات بمثل ما أنتم تعرفون من الشّمس الحرارة
ومن الماء الرّطوبة بل أظهر من ذلك، فتعالى الله عمّا كنّا في ذكر أحبّائه، فتعالى عمّا هم يذكرون.
۳٥
إذاً لمّا وصلنا إلی ذلك المقام الأسنى، وَبَلَغْنا إلى ذِروة الأحلى فيما يجري من هذا القلم
من عناية الكبرى من لدى الله العليّ الأعلى، أردنا بأن نذكر لك بعضاً من مقامات سلوك العبد في أسفاره إل
&#
1740; مبدئه، ليكشف على جنابك كلّما أردت وتريد، لتكون الحجّةُ بالغةً والنّعمةُ سابغةً. [/size][/color]
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى لا تستطيع ارفاق ملف في هذا المنتدى لا تستطيع تنزيل ملفات في هذا المنتدى